إنتصار الدم على السيف
عودة الى الماضي لإنجاز مهمة لم تنجز
إنتصار الدم على السيف / عودة الى الماضي لإنجاز مهمة لم تنجز
غزة هاشم :
أفكار قديمة ملت من فرط التكرار ، ومجت من جراء معاكستها و اتخاذها حديثا
لتزجية الفراغ ، و التعويض عن الفشل و الإخفاق و الذهاب بعيدا في التمحل و
خلق الأعذار ، للتملص من الواجب ، و الهرب من المسؤولية ، العدو الصهيوني
يزج بماضيه كله و يستثمر تراثه ، و في مقدمته مقدساته ، و يتوسل بكل ماهو
جديد و حديث في معركته معنا بل يجند العالم كله و خاصة المتقدم منه ليقف في
صفه و يؤيد قضيته بل يبث في روعه أن العرب و المسلمين كانوا مشكلة و خطر
على العالم و مازالوا ، و لن يهنأ العالم و يستريح إلا بإزالة هذا الخطر ،
إن العداء و الكراهية الذي أخذ الغرب على نفسه أن يجعله ديانة أو رسالة
تستأهل الإهتمام الكبير و الإحتفاء بنشرها و إذاعتها في العالم أجمع و
دعمها بوسائل الإقناع ، ألم يستعمل كل أشكال المعرفة ، و الوسائط الإعلامية
بهيلها و هيلمانها ، لتشويه و إدانة العرب و المسلمين و إلصاق كل نقيصة و
عيب بهم و تكريس ذلك في الوجدان و المخييلة فضلا عن العقل ، من خلال صنائعه
التي مكن لها في بلادنا ، و يسر لها الإمساك بدفة الحكم و التحكم في رقاب
الناس و سومهم العسف و العنت أوهن علاقات الناس بوطنهم و بلغتهم و ببعدهم
الحضاري و مكن للرخاوة و الميوعة و الوهن في أوساط شبابنا و صرفهم عن
الصلابة و الشدة في الإنشداد الى دينهم و الولع برموزهم و أعلامهم و جعلها
في مقدمة الإهتمامات ، و على رأس الأولويات ، و الصدور عن أخلاق ، و شيم ، و
سجايا أنبيائنا و آل بيت رسولنا صل الله عليه و آله ، و أوليائنا الصالحين
، و علمائنا الربانيين كصدور الماء من النبع الصافي في إنسياب و سلاسة ،
تسر له العين و تلتذ بخريره الأذن و يأسر القلب و النفس ألم يقل العلماء :
أن الأخلاق هيئة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بيسر و سهولة بالإضافة
الى أنها مكملة لعقل العاقل بل لا يمكن للعقل أن يكون عقلا إن لم تكن
الأخلاق عنصرا صميميا من تكوينه و بنيته ، فالرسول صلى الله عليه و آله
يقول : (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))
، إذن فالأخلاق هي التي حمت العقل و حصنته و سخرت طاقاته و أنفقت
إمكانياته في ما يخدم صالح الإنسان و يدفع عنه غوائل الإرتهان لأخيه
الإنسان على كل الأدلة وافرة لدينا في عصرنا هذا الذي حققت فيه الإنسانية
تطورا مذهلا ، و رقيا معجزا ، على جميع الصعد ، نكشف أن مكاسب التطور و
الرقي تنال قلة قليلة من بني البشر ، و تحرم منها الأكثرية و لا تتوقع ولو
على مستوى الخيال أن يكون لها حضا من ثمراته و السبب العميق في ذلك سيطرة
العقل الأداتي و تحكمه و ضبطه لجوانب و عناصر العمل التاريخي الذي نسميه (
الحداثة ) أو بتعبير دال جدا ، الواقعة ، لا يمكننا إلا الإعتراف و الإقرار
بمفاعيلها و تأثيراتها و أصدائها ، و بأن فكرنا و معرفتنا و فهمنا و منطق
تقييمنا للأشياء بعدها أي بعد الواقعة ، غيره قبلها بصورة تصل الى درجة
القطيعة أو الإنفصال بتعبير أدق ، أشياء رافقتها أو أتت بسببها ، مس ضررها
الإنسان و أثرت عليه أيما تأثير فغدا عبدا للإستهلاك و صدى للعقل التلفزي –
التكنولوجي – العلمي وقد وصلت إمبريالية العقل التكنولوجي الى حد أنه أراد
أن يحذف ليس فقط العقل الديني ، و إنما أيضا العقل الفلسفي ! فالعولمة
الكاسحة التي نشهدها حاليا لا تؤمن إلا بالمردودية الإقتصادية و الفعالية
التقنية و إكتساح الأسواق العالمية عن طريق الشركات المتعددت الجنسيات .
أما مشاكل الروح و الفكر و الفلسفة فهي أشياء ثانوية لا قيمة لها
...........
بسبب
هذا و من أجله تم الخروج عن الحداثة ، أو تصديعها و تشقيقها أو إصلاحها و
ترميمها ، لأن ما ترسب و إندس فيها بفعل عوامل قديمة و جديدة ، جعلها صورة
شوهاء ، و عقبة كأداء في الوقت نفسه هي صورة جميلة رائقة ، و طريق معبد سلك
هي الداء و الدواء ، هي جنة فيحاء و نار تلظى ، هي النور الساطع ، و
الظلام الدامس ، هي السوي و الشاذ ، هي الأنس و الوحشة هي الفكر المتوتر
يفتش عن محطة تعيد له توازنه ، هي العقل المتعب يريد أ يعقل لا عقله هي
الفلسفة تبحث عن بداية جديدة ، هي العمران و الحضارة تشعر بالخواء هي
الهوامش تتعارك و تتزاحم لتغزو المركز تكسر محوريته و تفقده جاذبيته ،
إستيقضت هباءة في هامش الهوامش لا تكاد ترى و لا تكاد تعرف ، و حتى يستعصى
على الذاكرة تذكرها ، دبت فيها الحياة فإنتفضت و ضجت فأقلقت و أفزعت ، ثم
قوت و تهيأت و الى ما عد قديما و مييتا من دينها و تراثها ردت و جددت فكان
الحضور ، و كان الإعتبار ، و كانت القيمة ، و كانت الثقة ، و كان الإمتلاءو
الإستغناء ومن ثم التمكين كوعد
لا ريب فيه جذر ذلك كله التحرر من هيمنة التقنية و العودة الى الإمكانيات
الإنسانية الصرفة ، كالإرادة و الفكر و العاطفة و الخيال و الحدس و الفراسة
و التعاطي بها مع ما يواجه الإنسان من مشاكل و أزمات و مآزق و إحراجات
بصورة فعالة و منتجة و حتى معجزة تعجز كل مبتكرات الحداثة على مغالبتها
فضلا عن الإنتصار عليها و سحقها هذه غزة هاشنم التي قال القائل المستنكر
المستهزئ فيها :( من يحي العظام و هي رميم ) ،( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَليمِ)
لعل ما ظل فكر ما بعد الحداثة يلوكه و يحوم حوله و يشقق و يدقق في الكلام عليه يتحقق على أرض الواقع من حيث لا يحتسب فلنعد القراءة و المراجعة و الحساب فالآتي مبشر و مريح ( إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ. ) .
بقلم : محمد الفاضل حمادوش
الأحد 18 نوفمبر 2012 ميلادي
الموافق لـ 4 محرم 1434 هجري

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق