الثلاثاء، 29 يوليو 2014

تساؤلات حول الحركة الإسلامية






تساؤلات حول الحركة الإسلامية




تساؤلات حول الحركة الإسلامية :

ينشط في ميادين العمل الإسلامي جماعات عديدة تحت عناوين و أسماء كثيرة مشكلة ما يعرف بالحركة الإسلامية ، و هي تختلف في الأساليب و الوسائل التي تتبناها ،كما تختلف في ترتيب الأولويات و تعتقد كل واحدة أن طريقها هو الأقوم و رؤيتها هي الأصوب ، و قد حمل الحوار التالي الذي جرى بين الأخوين محمد الفاضل حمادوش متسائلا و مراد مليزي مجيبا محاولة لولوج عالم الحركات الإسلامية المثيرة للجدل التي أقلقت الغرب و نزعت من الحكومات العربية ثقة شعوبها فيها و زجت بالدين في التنظيمات الحزبية و العمل السياسي بكل رذائله و المسلح بكل إجرامه تقدمت للشعوب الإسلامية بكثير من الوعود و لم تفي بشيء بل زجت بها في كثير من المعارك الخاسرة تتعاطى مع تراث عصور الانحطاط و تقفز على عصور الازدهار الإسلامي تستهلك وسائل الحداثة بنهم شديد و ترفض فكرها جملة و تفصيلا ، فهل استطاع المتحاوران الكريمان أن يغوصا بنا في أعماق كل هذه الإشكاليات ؟ لنقرأ :
س : ماهي الحركة الإسلامية من الناحية التنظيمية ؟
ج : يعتبر هذا السؤال مدخلا لفهم سوسيولوجي معرفي لطبيعة هذه الحركات و لمضاعفات التنظيم عليها و على المجتمع .
إنها ليست مجرد حركة دينية كالطرق الصوفية مثلا أو التيارات الثقافية و الإجتماعية التي تتشكل عادة في جمعيات و نوادي لأداء وظائف محددة ، وهي أيضا ليست حزبا سياسيا عاديا سواء إذا ما قارناها بالأحزاب في الغرب أو ما يسمى أحزابا عندنا و هي أيضا بعيدة عن تكون فرقة حسب المواصفات التي لازمت ولادة الفرق في التاريخ الإسلامي لأنها عموما ليست صاحبة مدرسة متميزة في الكلام أو مذهب و لا شبه بينها و بين الطائفة لأنها لا تمثل انقطاعا عن المحيط العام للمجتمع لكن هذه الأبعاد نجدها تتقاطع بنسب مختلفة داخل الحركة الإسلامية .
إنها في بعض وجوهها قراءة للدين و الثقافة والمجتمع ، قد تجسدت في نمط معين من التربية و أشكال من التنظيم من أجل أهداف توحي بالقطع مع السائد و تدعو الى ولادة جديدة قديمة .
س : شكلت الحركات الإسلامية منذ منتصف السبعينيات معارضة قوية للأنظمة السياسية فأين تكمن قوتها ، في استنادها للدين ، أو التراث ، أو الظروف المضوعية أو جاذبية خطابها و سحره و قوة منطقه ؟
ج : استفاد الإسلامييون من أوضاع و عوامل ساهمت بقوة في دعم رصيدهم دون أن يكون جزءا من رأسمالهم ، و لم يفكروا فيه بشكل علمي دقيق . من بين هذه العوامل ما تضمنه الدين من قيم يتوق إليها الإنسان كقيم الحرية و العدل و المساواة و التضامن و الإيثار ، كما يتوق لرموز و قيادات تتسم بالنقاء و الطهارة و الإستقامة و تؤمن بالقدرة الحسنة و بالفعل الطيب و بطاعة أوامر الدين و نواهيه ، فالقدرة الحسنة هي الرابط بين الجماهير و قياداتها و هي في الغالب قدوة حسنة خلقية لا يمكن أن يصنعها إلا الدين في تصور الغالبية من المسلمين .
عامل آخر ساهم بقوة في دعم رصيد الإسلاميين تمثل في تراجع الأيدولوجيات ، فلقد عرفت الإشتراكية في قراءتها الماركسية بالخصوص و القومية ناصرية أو بعثية إلى هزات معرفية و سياسية أفقدتها الكثير من بريقها مع هزيمة 1967 فعاد شعار الإسلاميين المتعلق بفشل الحلول المستوردة ليحتوي أزمة الآخرين و يستقطب اهتمام الشباب بالخصوص باعتبارهم الجهة المرشحة أكثر من غيرها للاشتغال بقضايا الايديولوجية و التغيير بحكم التهميش و الشعور بالحرمان ، فاتخذت من الدين مجالا لممارسة النشاط السياسي انطلاقا من نظرية العودة إلى نماذجنا التاريخية الإسلامية الرأسمال الوحيد الذي لم يستنفد أو يستهلك في الحياة السياسية الحديثة بعد فشل الحلول المستوردة المذكورة ، فصار المجتمع بحاجة الى رؤية توجيهية لمواجهة المصاعب و التحديات و الحاجات الضاغطة ، ففتح هذا الفراغ الأديولوجي القائم ، المجال أمام تعدد الحركات الإسلامية و صعودها و تحولها مع التحاق الرأي العام الباحث عن خلاص بها الى التيار السياسي الأكثر استقطابا للجماهير ، فاعتقد الرأي العام أنه بإمكان التيار السياسي الذي يستلهم التراث الديني و قيمه أن يقدم حلولا للأزمات التي يواجهها و في مقدمتها أزمة الفساد و انهيار مؤسسات الدولة و خضوعها للمصالح الفئوية و العصبيات الطائفية و العائلية و التحليل الأخلاقي و الاجتماعي المتزايد . و عندي هذا الاعتقاد ما ميز أعضاء هذه الحركات في بداية تكوينها من جدية و تعلق بالأخلاق و غياب التركيز على المصالح الشخصية أو الذوبان في المجتمع الاستهلاكي سواء كان ذلك نتيجة التربية الدينية أو نتيجة التهميش الطويل و البعد عن مراكز السلطة و المسؤولية .
المد الإسلامي لم يحصل بسبب إيمان الناس المفاجئ أو الصحوة الدينية كما يقول الإسلاميون و لكنه حصل لأن هذه الحركات بقدر ما بقيت خارج النظام المجتمعي القائم في العقود الماضية ، نجحت دون جهد في استقطاب حركات الاحتجاج الاجتماعي التي رمى بها النظام القائم إلى التهميش السياسي و الفكري و الإقتصادي تعاني الفقر و الحرمان و الذل و الاحتقار .
كما أن الحداثة المشوهة أو المجهوضة لعبت دورا كبيرا في صعود التيار الإسلامي بهذا الشكل لأن الحركات الإسلامية ليست هي من يعيق الحداثة و لكنها شكلت و لا زالت تشكل النعويض الوحيد عنها ، فهي التي قامت بتفجير التناقضات العميقة التي تزاحمت داخل مجتمعاتنا في العقود الماضية و هي التي تقوم اليوم بتفجير التناقضات الكامنة منذ قرون بين العالم الإسلامي و الغرب الأوروبي الأمريكي المسيحي .
س : هل أخطأت الحركة الإسلامية الطريق من خلال الزج بالدين في المعركة السياسية و خلطها بين الإيديولوجية و الدين ؟
ج : حصل نوع من التداخل في أذهان الكثير من الإسلاميين بين الدين بأمره و نهيه و قيمه و مبادئه و بين التنظيم كإدارة بشرية فنتج عنه خطاب سياسي غير متضح الملامح فتراه لا يخرج عن صورتين : إما مشحونا بالعقيدة و الطموح و شعارات التضامن و المنتزع الأخلاقي ، و تضخيم فكر الحركة على الفكر و التحليل ، كما أن المشروع السياسي لديهم أفصح عن بدائله المجتمعية مختزلة في مشاهد متفرقة و عناوين عامة ، كتطبيق الشرعية ، الإسلام هو الحل ، إقامة الحدود ، الوقوف ضد أي تغيير في الأحوال الشخصية ، القضاء على الربا ، إنشاء البنوك الإسلامية . و طغيان الأخلاقوية في الخطاب السياسي . و هو منهج يفسر كل الظواهر بالعامل الأخلاقي متجاهلا العوامل الإقتصادية و الديمغرافية و موازين القوى الإقليمية و العالمية و العوامل المعرفية و الثقافية و التاريخية و التي بإسقاطها يختل التحليل العام و يفقد الخطاب السياسي عمقه و يتحول الى مجرد و عظ و إرشاد .
إن عدم التفريق بين الدين كمعتقد و غاية و التنظيم أو الحزب السياسي كوسيلة أدى إلى استعمال الدين كوسيلة بغية الحفاظ على الحزب أو التنظيم كغاية و هنا مكمن الخطر على الدين و التنظيم و المجتمع السياسي الذي يتجاذبان فيه ، فالدين لا يمكن القبول بنقده باعتباره المقدس ، فصار أيضا ليس مقبولا نقد التنظيم أو الحزب ، فتحولت مسألة الولاء للجماعة أو التنظيم و الحزب فوق الوطن و المجتمع و بديلا عنهما و حصل خلل في سلم الأولويات ، و تولد تناقض بين مصلحة التنظيم و مصلحة المجتمع و الولاء المطلق للتنظيم ، نتج عنه ولاء مطلق لقيادات التنظيم و تضخيمها ، و إضفاء التسامي على ممارساتها كما لو كانت السلطة داخل التنظيم هي الاستمرار الضمني للسلطة التاريخية ، فصار الأتباع لايشعرون بأن لهم حقوقا إزاء القيادات ، و لا يجرؤون على المطالبة بها ، فأدى ذلك الى حرمان قطاعات واسعة داخل الحركة من مساءلة قياداتها و المشاركة في بلورة الخيارات السياسية الملائمة أو نقد الخيارات السابقة .
ونظر ا لتدني الوعي الحقوقي انفرزت أجواء و علاقات غير سليمة في الهيئات القيادية و أصبحت عمليات النقد أو التعبير أو التعدي مرتبطة بمزاحمة فلان أو علان في الهيئة القيادية أو تصفية حسابات سياسية أو فكرية أو الخوف من المزاحمة ، فيتم فصل المئات من العناصر الرشيدة الواعية الذين تجاوزوا بفكرهم ووعيهم الحركة بمسافات ، و بالتالي يحدث الكثير من الانقسامات و الانشقاقات التي تعوق تطور الحركة أو تحول المنتمي إليها من موقع التابع و المسخر الى التحرك بمنطق الفاعل .
كما أن المشروع السياسي للحركات الإسلامية و ليس الإسلام يفتقر الى معطيات نظرية أو إستراتيجية واقعية لبناء الدولة ، لأن مشكلة الدولة هي بناء المؤسسات العقلانية القادرة على تأطيرنشاط المجتمع و تنظيم شؤونه و تعظيم فعاليته و مردوده ، و على تكوين الأطر الفنية و التقنية و الإدارية و تأهيلها للقيام بذلك إنها مجموعة مبادئ وقواعد و أصول إجرائية لاعلاقة لها بمسائل الايمان و لكن بالفعالية و القانون في إطار القيم و المبيادئ الإسلامية بالطبع و بقدر ما تنجح الجماعات اليوم في بناء دولة تعبر عن حاجات مواطنيها و تخضع في عملها لقواعد قانونية مضبوطة تشجع الأفراد على بذل الجهد و النشاط فإنها تحققشروط الارتقاء المادي و المعنوي بمستوى حياة شعوبها و هذا هو أساس بناء المدينة . الخطأ إذن ليس ممارسة الإسلاميين للسياسة فهي حق عام لايمنع من تنشيط التراث الفكري و الثقافي و الأخلاقي للإسلام و خلق أجواء سياسية و ثقافية مفعمة بالنقاشات و الحوارات و الأسئلة المشجعة على الإبداع و التطور .
إن خطر الخلط بين الايدولوجيا و الدين يحصل حينما تدعي فئة أو سلطة ما أنها تنطلق من الدين و القرآن و السنة بالمنطق و أن ممارستها السياسية و أيديولوجيتها هي انعكاس لفهمها الصحيح للدين أو تدعي أن العمل بوحي من الله أو بالتوفيق معه و لو بصورة غير مباشرة فلن يعود هناك إمكانية لمناقشتها  أو معارضتها حتى لو أخطأت و في هذه الحالة نكون أمام سلطة أو عقلية لايمكن ضبطها أو تعديلها أو تطويرها أو المشاركة من خلالها فيقود ذلك الى الشمولية و دمار الدولة و هذا لايعني الإقصاء المطلق للدين من الحياة السياسية وشؤون الحكم و الدولة بل الاستلهام الأمثل لقيم و توجيهات لها علاقة بشؤون الدولة و السلطة و المجتمع و العمل و العدل بشكل يسمح بجعل الدولة أداة لتوحيد المجتمع و تنظيم مصالحه و التسوية بينها و إيجاد حلول سياسية و سليمة للنزاعات الطبيعية بين الجماعات المختلفة لا أن نرى في الدولة مؤسسات و قانون يتم استخدامها لفرض نمط معين من الفهم و الحكم و عليه فالمسألة لاتمكن في الزج أو عدم الزج بالدين في السياسة بل تمكن في كيفية استيعابها لفلسفة الإسلام الخاصة بالإنسان و المجتمع و الحياة و استخدامها بصورة عقلانية و سليمة لبناء مشروعية مقبولة و محترمة و ليس في استغلال الدين بصورة مشوهة و مغلوطة أو منقوصة لفرض مشروعية ما بطريقة تعسفية .
س : كيف تفسر الطبيعة الإنغلاقية في فكر و سلوك الحركة الإسلامية و نفورها الشديد من كل مايمت بصلة الى الحضارة الغربية ؟ أين يكمن ذلك ؟
ج : أغلب الخطاب الإسلامي يتناول نظام القيم و ليس نظاما للمفاهيم يمكن من خلاله التجديد السليم لأهم الرهانات و الإشكالات تحديدا علميا و موضوعيا لأن نظام القيم لا يسمح ببلورة نظرية أو منهج في التفكير فيحصل الخلط بين الدين و النظرية فجاء مضمون الخطاب الإسلامي معبرا عنه بمصطلحات مثل الرسالة ، الدعوة ، الشرع ، الإصلاح ميالا الى الخطابة و الوعظ يتعامل من خلاله الإسلاميون مع النصوص و  الروايات و الوقائع بعيدا عن البناء الفكري الذي يتعامل مع المناهج و المفاهيم فيترتب عنه انفصال عن الواقع بتعقيداته اليومية و مدارسه الفكرية .
كما أن السعي للتماثل و تطابق الشخصيات و ذلك بتضخيم مبدأ القدوة و تقليص الفردانية مما يترتب عنه نفي للمغايرة داخل الكيان الواحد و ذلك بالتخطيط المحكم لتحقيق وحدة التفكير الى درجة تنظيم مطالعة الفرد و عدم السماح له بحرية الإحتكار بمصادر الفكر المختلفة خوفا عليه من التأثر و الإنحراف فتكون النتيجة ضعف المستوى العام للأفراد في مجالات النظرية لأن حرية البحث و المبادرة و الإطلاع بدون حواجز على مصادر الفكر المختلفة هو الأسلوب الأمثل للإبداع و التطور و ليس الشك و الريب و الخوف من مصادر الفكر و المعرفة حتى و لو كانت غير إسلامية بدافع كذا أو كذا ، فالإسلاميون لا يتحركون في فراغ بل في عالم مكتنز و ممتلئ بالأفكار و العلوم و الدراسات و الوسائل و يعيش أرقى درجات النظام و التنظيم ربما بعض تجليات التقدم المعرفي و التكنولوجي و الإقتصادي في الغرب لا تروق لنا و لا تنسجم مع توجهاتنا و قيمنا لكن هذا لا يمنع من الإنفتاح و الإستفادة من مصادر الفكر الإنساني فالحياة قائمة على التنوع و التعدد و الاختلاف الذي قد يعني الهوية أكثر مما ينفيها لو أحسنا التعامل معه .
وجهة نظر أخرى ترى أن الإنغلاق و الجمود في ثقافتنا لم يولد مع ولادة الحركة الإسلامية بل له تاريخ و لم يولد مع ولادة الحركة الإسلامية بل له تاريخ و لم يدرس حتى الآن بشكل علمي دقيق و ينبغي أن ننظر الى الأمور نظرة تاريخية لكي نفهم لماذا ينتصر الإنغلاق و الجمود و التقليد في ثقافة ما على حساب الابداع و الإزدهار الفكري و الاختلاف لأن الظواهر الثقافية و الفكرية و العلمية لا تفسر عن طريق الأفراد مهما تكن قدراتهم و أدوارهم أو عن طريق الحركات مهما تكن قوتها و إنما تفسر عن طريق البينيات الثقافية و الاجتماعية و السياسية العميقة فهذه البينيات هي التي تحتضن الحركات و التيارات و الأفراد و ليس العكس ، كما ترى وجهة النظر هذه أن تاريخ الجمود الفكري في ثقافتنا بدأ بمحابة الفكر الفلسفي و العقلاني و موت ابن رشد في نهاية القرن الثاني عشر الميلادي و الذي حاول أن يدافع عن الفلسفة في كتبه لكن حركة التاريخ كانت قد بدأت تمشي في الاتجاه المعاكس الذي يمثله الغزالي بكتابه تهافت الفلاسفة الذي لقي رواجا في أوساط التقليد رغم الدور الذي لعبه الغزالي لكن الانحطاط و الجمود كما قلنا لا يصنعه شخص أو حركة بل يقرره تيار تاريخي و بنية اجتماعية بأسرها فإذا ما تكلست هذه البينة و تراجعت تكلس الفكر و تراجع وإذا ما ازدهرت ازدهر الفكر و تألق ، و المشكلة ينبغي أن تطرح من خلال الحديث عن الأطر الاجتماعية للمعرفة ، فهي التي تستقل الفكر العقلاني أو لا تستقبله ، تسمح به أو لا تسمح ، تساعد على تطويره أو تساهم في جموده و انغلاقه ، فتضيق عليه الخناق .
س : ماهي الأطر الاجتماعية للمعرفة ؟
ج : قد ينطبق هذا المفهوم على كل التنظيمات و المؤسسات و التيارات و الطبقات الاجتماعية و الطوائف التي تساهم من بعيد أو قريب في الحياة الثقافية و الفكرية إبداعا و تنشيطا و توزيعا ، لا تكون متوافرة بكثرة إلا في البيئات المتطورة و المرفهة و الغير مكبوتة اجتماعيا ، كما هو الحال في البينات الأوروبية و الغربية الحديثة .
كانت هذه الأطر متوافرة في القرنين الثالث و الرابع الهجريين بالنسبة لثقافتنا ، فازدهرت العلوم و الفلسفة و احتدم الجدل و الحوار و الإختلاف على مستوى الفقه و علم الكلام و الفلسفة ، فتنوعت الفرق و المذاهب و المدارس ، و شغلت قضايا الدين و العلم اهتمامات العامة متجاوزة الخاصة بشكل لم يسبق له مثيل ، فتشكل العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية ، أو ما عبر عنه البعض بعصر التكوين أو التدوين ، ثم ابتدأت هذه الأطر تتقلص و تضيق بداية من القرن الخامس الهجري و أصبحت محبذة للفكر الطرقي الصوفي و الفقهي و الخيارات الرسمية للسلطة السياسية و العلمية المتوائمة مع تفسيرات و رؤى خط معين بداية من الإمام أحمد ابن حنبل الى المذاهب الأربعة وصولا الى محمد بن عبد الوهاب ، فالبرجوازية التجارية التي نشأت في بغداد و العواصم الإسلامية كانت تشكل الدعامة المادية لعقلانية المعتزلة و الفلاسفة و العلماء و مع الحروب الصليبية و النزاع الداخلي مع الخلافة الفاطمية الإسماعيلية أصبح المسلمون مياليين الى الفكر الاديولوجي التعبوي لمواجهة هذه الأخطار و الفتن و حتى بعد الإستقلال معظم الأقطار العربية و الإسلامية في العصر الحديث لم تتمكن النخب التي تسلمت السلطة أو النخب المعارضة من تهيئة الظروف الملائمة لنشوء الأطر المذكورة فسادت أوضاع لا تسمح بالانفتاح و التطور .
س : لعب النص الفقهي دورا كبيرا في أدبيات الحركة الإسلامية أو نقول مادة معمقة ما مغزى ذلك ؟
ج : الإيمان بأي دين ينطبق م الإيمان المطلق بصلاحيته لكل زمان و مكان و لذلك يتمسك أهل الديانات بدياناتهم و يعتبرونها تمثل الحقيقة العليا و تنطق بها .
و الإسلام حاضر في حياة المسلمين العملية و الروحية و قلما ترك أمرا و ليس فيه قول صريح أو مضمر بدءا من أمور الزواج و الطلاق و الإرث مرورا بمسائل البيع و الشراء و العقود و الحكم و العقوبات انتهاء بطريقة الأكل و الجلوس و الحديث و الشريعة الإسلامية اكتملت مبدئها و أركانها الأساسية في عهد الرسول (ص) بالكتاب و السنة حسب مايقول الفقهاء ، و الأصوليون و سبل النجاة في الدنيا و الآخرة و وسائل الوصول إليها مشروحة بوضوح لكل البشر في القرآن و السنة و أول مهمة للعقل الإسلامي تتمثل في القراءة السليمة و الصحيحة لهما كما فعل الصحابة و يفعل الفقهاء المجتهدون في كل عصر وذلك بتطبيق القواعد الفقهية في الاجتهاد أو ما يطلق عليها الآخرون بالإجراءات و العمليات البشرية من أجل استنباط الأحكام و التفسيرات التي تكرس سيادة الشريعة الإسلامية في حياة الناس .
انطلاقا من هذه الرؤية بقي العقل الإسلامي طيلة قرون ينمو في إطار القرآن و السنة و القياس و الإجماع و .... كمصادر للتشريع في الإسلام فظل الفقه يفرض نفسه طيلة قرون و إلى الآن عل أنه العلم الأول بامتياز فأصبح علو شأن العام الديني مرهونابجودة ذاكرته التي تحفظ ما كتبه الأئمة و الفقهاء السابقون فهذا الأمر كذا أو كذا لأن لأن فقيها من السابقين أو مذهبا من المذاهب الفقهية قرر ذلك و انطلاقا من هذه الرؤية أيضا نستطيع أن نفهم الأسباب الحقيقية وراء حضور الفقه بهذا الشكل في فكر و أدبيات الحركة الإسلامية فكان من نتائج ذلك أنه لم يحصل لدى مفكري الحركات الإسلامية الذين يمتلكون السلطة المعنوية و صلاحية الكلام في الدين وعيا عميقا بأصالة و أهمية التفكير الإنساني ، و كان محور خطابهم هو تجديد الفقه و إعادة التفسير و التأويل أو إعادة فتح باب الاجتهاد من أجل الحصول على أجوبة و حلول لشؤون الحياة المستجة ، و هذا يتم بالفقه وحده و إن كان له دور في هذا المجال ، لأن النصوص لا تقرأ من أجل استنباط الأحكام فحسب ، بل من أجل اكتشاف آفاق جديدة للروح و العقل و الفكر ، يستعين علماء الإسلام في ذلك بترسانة من العلوم و الأدوات و المناهج التي تجعل من الخطاب الفقهي الشريعوي قادرا على تقديم القوانين الناجعة لنجاح تنظيم حياتنا و الإرتقاء بحياتنا الأخلاقية و الوجدانية و الفكرية إلى مستوى الإسلام و تطلعات المسلمين .

حوار بين محمد الفاضل حمادوش و مراد مليزي
نقلا عن مجلة مبر قجال
العدد السادس
رمضان 1427 هجري
سبتمبر 2006 ميلادي



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق