عودةُ الرسول
(صلى الله عليه و آله )
ذكرٌ
و فكر و إجالةُ نظر
نأملُ من الله أن يرفدنا بما يجعلُ
فكرنا قادراً على الإنفاق و عقلنا قادراً على الإغداق و ييسر لنا اقتناص المعاني و
اجادة المباني في بسط القول عن الذي قال فيه الله تعالى : (( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ )) القلم:4 و قال أيضاً : (( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ
أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ
رَؤُوفٌ رَحِيمٌ )) التوبة:128 و قال أيضاً : ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً
وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً )) الأحزاب:46 وقال
أيضاً : (( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا
يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ
وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ
فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ
قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا
كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ
نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى *
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ
رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى )) سورة النجم الآيات من 1الى 18 و قال أيضاً : ((مَا وَدَّعَكَ
رَبُّكَ وَمَا قَلَى)) سورة الضحى ، وقال أيضاً ((
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ
ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ)) سورة الإنشراح ، وقال أيضاً : ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً
)) الأحزاب: من
الآية71 وقال أيضاً : (( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)) : المائدة
من الآية92 وقال أيضاً : (( فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا
تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ
قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ *
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ )) الحاقة:38-43
من نافل القول أن نذكر بأن المسلمين
منقسمين إن لم نقل أنهم على حدي نقيض فيما يخص سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه و
آله وتوجيهاته و إرشاداته ووصاياه إن في الفهم ، أو التمثل ، أو المعقولية و لزال
هذا الإنقسام يتجدد و يتسع بتجدد أجيال المسلمين و إعادة القراءة و تدخل المؤثرات
الثقافية الأجنبية ، هذا الذي حملنا على
الكتابة عن المولد النبوي الشريف من جديد من منطلقاتٍ أخرى وبمرجعيات أخرى،وفي
أفقٍ أوسع ما يدفعنا الى الإنخراط الى تفحص المرويات و الفهوم والإلتفات الى
القرائن والمؤيدات التي ترجح قولاً على آخر ،لنتعرف على عوار وخلل قراءة من
القراءتين ونخلص الى تهافتها و هذا لا يكون إلا بالتحكم بالقراءتين سيطرةً على
الآليات وإحكاماً و ضبطاً للمنهج ، و عقداً للمقارنات التي لا تهمل شاردةً
ولاواردةً بمعنى أن تتوغل في تفاصيل التفاصيل و أن تتصف بالحياد والموضوعية و
العقلانية بصرامة فلا تدع النزعات و الميول و الأهواء تنفذ اليها ، و هذا ما قام
به علماء أفذاذ من دائرة أهل البيت عليهم السلام و قتلوا الموضوع بحثاً فلا مزيد
لمستزيد يبقى أن نساهم في هذا البحث بصورة أخرى تكون في متناول أكبر و أوسع عدد من
الناس وذلك بصياغتها بأسلوب السهل الممتنع يتوفرُ على التشويق و تلبية الحاجات
الجمالية ، و الإشباعات الوجدانية و السلاسة و السهولة فلا يمتنع فهمه على محدودي
الثقافة أو الذين حضهم من التعليم و الثقافة متواضع لأمرٍ ما سادت القراءة الأخرى
و استمرت ردحاً من الزمن و آثارها غيرُ المحمودة في كثيرٍ من الجوانب لا تخفى على
النبيه اللبيب حتى و إن لم يكن أخذ تربيةً معينة و خضع لتعليمٍ خاص ، يتمتع
بالمزايا التي ذكرنا سلفاً لا نكون مجانبين بالصواب اذا قلنا مصدرُ الغصص في الأسس
ومنشأ الإنحراف حاجة السلطة الى الأحلاف و تسليمها العلم بالدين للإحتراف ، و تمحض
الأمر للسخف و الإسفاف فطال الإلغاء كثرةً من معاني الإسلام و الحذف خيرة رموزه و
أجلهم قدرا و أعظمهم علماً وأكثرهم عبادة و أشدهم قرباً من الله غيرُ كافٍ زعمهم
أنهم يعرفونهم ويلهجون بذكرهم و يمحضونهم الإحترام و التقدير ، كيف يستقيم هذا في
العقل وهم لا يأخذون بمروياتهم و لا ينهلون من علمهم و حكمتهم و لا يتأسون بهم و لا
يقفون موقفاً شريفاً من ظلمهم و يأنفون من أن يحملوا ظالميهم المسؤولية ، بل
يعتبرونهم سلفاً صالحاً أفضالهم على الإسلام
والمسلمين لايقاس بها شيئ و نقدهم يخرج المسلم من الإسلام يالمفارقات و
الحال أن طبيعة الدعوة لا تنفك عن العراقيل و المعوقات وشأن الحق يحملهُ الإستثنائيُ و يسعى
به المسدد و الصبر لطريقه معبد و لشكر الله مردد وللعلماء العاملين مُسيد ولإقتحام
الردى من أجل نصرته غيرُ متردد ، و إلا وئد و أصبح أثراً بعد عين
لا يقعن ببالك أيها المتصفح العزيز أننا ابتعدنا عن الرسول الكريم صلى الله عليه و
آله في حين نحن بصدد الحديث عنه بلى نحن في محيطه وفي فضائه قرب مائدة معارفه
وكرمه نتقلب في أعطاف نعمته و ننغمس في نعمه المنهمرة بغزارة في هذا الفضاء ، و
داخل هذا الحيز الذي أقل مانقول فيه أنه ذو صبغة ربانية ، يمتلكُ شرعنة إلهية يتصل
بالدنيوي و يحتوي الحياتي بإعطائه الأولوية للإجرائ و العمل بآليات و طرائق تتجاوز
الإمكانيات البشرية وتعلوا على الملكات و المواهب من ذكاء و عبقرية و لكنها سهلة
ميسرة للإستعمال و الإستثمار و التطبيق بالنسبة للمؤمن هذه الإستعمالات
والإستثمارات و التطبيقات تضمن تلافي الزيغ و الإنحراف و التفلت والتسيب و البعد
عن الجادة في بناء النظام الإجتماعي و النظام السياسي و النظام الإقتصادي و توزيع
السلطة و إدارتها و اتساقها مع المبادئ والتعاليم المقدسة الشيئ الذي يجعلها
حيادية سيادية تطمئن و تريح لابد من انعطافة الى الزمن الحالي لنشير الى قراءة
أخرى و نمط من الفهم والتفكير و سياسة في المقاربة لجأت أو ألجئت إليها الحركات
الإسلامية يمكننا أن نعتبره اجتهاداً مع التحفظ و كثير من الحذر في غمرة إنخراطهم
في الصراع السياسي و هاجس بسط نفوذهم على المجتمع من خلال احتلال وعيه و من ثم
الزامه بتبني رؤاهم و مشايعة مشروعهم لكن الخصم قوي و شرس و متجذر في الواقع واقع
مسنود و مدعوم ومعتنى بإسمراريته من كيانات رأسمالية مهيمنة و متحكمة في الحضارة و
معتقدة أن ثقافتها هي العنصر الوحيد الذي أنتج الحضارة و ضمن لها الإستمرارية
والتأبيد لذا يجب أن لا تفلت منه ،لأن في ذلك زوال الحضارة و انطلاق البداوة من
عقالها حيث تعم الفوضى و الهمجية والهرج و المرج ، في نظرهم ثقافة ٌ أخرى غيرُ
ثقافتهم غيرُ مأهلة بتاةُ لإنتاج مدنية وإبداع حضارة ، اندفاعات الحركة الإسلامية
العاطفية وخطابها المبسط و مشروعها الهش و اختياراتها النظرية و العملية التي كانت
ردود فعل على زحمة المذاهب و الإديولوجيات و التيارات الفكرية و لم تكن فعلاً
اجابياً من وحي قراءة عميقة و متأنية و محيطة بالمنظومة الإسلامية ومصادرها
الأساسية و منتهلة من التجربة الإسلامية المتراكمة عبر القرون و المعتبرة بسنن
التاريخ و المجتمع التي لاتحابي أحداً تنوسي الممون للزاد الفكري و الثقافي مما
يجود به النظر المتأمل الدقيق في النصوص المقدسة بمنهج و جهاز مفاهيمي ومصطلحي
مشتق من النصوص يستقيم في العقل و لايجافي روح الشريعة و لا يديرُ ظهره للواقع بل
ينفتح عليه و يتمثله من أفق أطره الإدراكية و يستدخله في منظومته الثقافية ، ردود
الفعل و التسرع و تغليب جانب على جانب ورجحان كفة الواقع على كفة النظر و خصومة
الإسلام التقليدي والصراع الدائم مع السلطة قطع حبل سرة اسلامها بالإسلام الحقيقي
وأصبح إسلامها عبارة عن عقيدة اجتماعية لا تكاد تفرق كثيراً عن العقائد الإجتماعية
الأخرى لأن المسألة مسألة تكليف فلا يمكن أن تقوم في غياب مراجع مجتهدين أو مؤسسات
يناط بها التكفل بهذا الأمر لها امتداد تاريخي و هذا الأمر متوفر في الجهة
الجعفرية بإمتياز ما جعل التغيير يتحققُ بصورة باهرة لا مثيل لها تذكرُ بإنتصارات
الإسلام الأولى وإبهاره و إعجازه إن فرادة رجال الثورة الإسلامية في إيران إن من
حيث سعة العلم و كثرة التقوى و علو الهمة و الصبر المنقطع النظير والقدرة على
المنازلة و إنجاز المغالبة في جميع الميادين و خاصةً منها الفقهية والكلامية و
السلوكية و العقلية و حتى الثقافية و السياسية والإقتصادية، انقياد الكتل
الجماهيرية لهذه الزعامات و الثقة المطلقة
بها هو حظها من تمام الطاقة الروحية ، و توفرها على كمال في العلم أقوال الإمام الخميني و
هو فص هذا الخام تحمل أكثر من أفق للتفكير فهي من جهة تشكل لحظة التخطي و التجاوز
لما يسمونه بالإنغلاق ومن جهة ثانية تفتح سبل جديدة للنظر لاعلى أرض المفهوم و
العبارة ، ولكن على أرض العلامة و الإشارة فهو من جهة يبدوا سلطة معرفية على ما
بعده وفي الوقت ذاته فكراً حياً انبلج على الغيب معايشةً وممارسة ً،واحتوى الحياة علماً و فهماً و مسك
مجراها تصرفاً و ضبطاً _ بعكس الحركات الإسلامية التي صار التنظيم عندها عقيدة
فبات علمها و فكرها ناتج الحركة الجدلية بين حركتها و الواقع فجانفت روح الإسلام و
تنكبت مسلكه في أكثر من جانب و موقع فكان أمرها ما كان _ رحم الله الإمام وقدس سره
عاد بنا الى رحم النبوة و الى منطق الأخوة و الى علو الهمة
((
ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين )) ، امتداد وانسياب لعطاءات و
منح المولد النبوي الشريف ، الذي نحن بصدد الإحتفال به ، إن سطوع أنواره و ظخامة
عظمته تعجز الإنسان عن الكلام بل تحوله الى هباءة من فرط الإعجاب و دقة الإعجاز
ووضوح الإمتياز ، إنه المثال الأعلى للكائن الحي _منذ أن وجد كائن حي على الأرض_
فضلاً و تفوقاً و كرماً في جهاده المستمر ضد أهواء النفس هو في نهاية المطاف (
التشبه بالله ) بحسب تعبير الرازي ظهر صلى الله عليه و آله في قلب ظروف سلبية جداً
و عوامل معرقلة عديدة نادراً أن تجتمع في منعطف تاريخي واحد في مثل هذه الظروف
أحيا النزعة الإنسانية العفوية التي تحتفظ بوجود فعال بما فيه الكفاية و قادرٌ على
توليد الأمل في قلوب الناس الأكثرُ فقراً و حرماناً إنه لصحيح القول بأن اعادة
تركيب وظائف العامل الديني ( أعني الإسلام بالنسبة للأديان الأخرى ) تتخذ معنىً
مزدوجاً فهي من جهة تحد من اليأس و الإنحرافات النفسية و الإجتماعية ، كما و تأدي
الى ظهور صيغٍ جديدة من التضامن الإجتماعي و البناء السياسي عن طريق تضميد جراح
الوحدة ، و العزلة والفقر المدقع ، و النبذ الإجتماعي و التهميش أي تم الحسم في المشاكل
المطروحة الخاصة بالصراعات و التفاعلات المتبادلة و المستمرة بين ارادات الشرك و
رهانات المعنى و ذلك من خلال تلك المعركة التي يخوضها العقل المؤمن أو الحديث ضد
العقل الوثني في جميع صيغه وأشكاله الإنكفائية ،
إحتياطي من المعنى و الزاد لا ينفد و لا يضمحل يلبي جميع الإحتياجات
الإنسانية و منها المطالب العقلية والروحية .
بقلم : السيد محمد الفاضل
حمادوش
حرر يوم :
الثلثاء 29 جانفي 2013 ميلادي
الموافق لـ 17
شهر ربيع الأول 1434 هجري

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق