08 ماي 1945
في مدينة سطيف
من نافل القول أن نذكر بعروبة سطيف و نُأكد عليها ذلك ما تكفل
التاريخُ بتحقيقه و توثيقه ، فأغلبُ سكان هذه المنطقة من بني هلال و بني سليم و
الأدارسة منهم كواسطة العقد ، بل مرآة مجلُوة ً مصقولة ً ، تعكسُ بدأ هذا التاريخ
المجيد ومنتهاه و ما يتخللهُ من مفاصل محددات لمقاطع الفترات الحاسمة من تاريخ هذه
الأمة ، التي تعرضت للإبتلاء و التمحيص ، في أغلب فترات تاريخها ضربها الزمن
بالصراعات و الفتن فيما بينها فتعرضت للتآكل الداخلي ، فأنهك قواها و ذهب بريحها ،
و سرق وعيها من جراء تأزم ثقافتها ، فتغبشت رؤيتها فكان أن تداعت عليها الأممُ
تبغي انتزاعها من ثقافتها و خلعها من تاريخها و التلاعب بذاكرتها ، و الإستلاء على
مقدراتها المادية و استنزافها فكان أن استعملت جميع الوسائل الغير المشروعة ، واستثمرت
ما وصلت إليه و تمكنت منه من إمكانيات فكرية وثقافية وقدرات عقلية خارقة ، استراتيجية
ماكرة مشبوهة ، انتهكت أول ما انتهكت مبادئ هذه الأمم التي تزعم أنها ما اتت الى
هذه الشعوب و بسطت نفوذها على أرضها إلا لتحضرها ، و انتزعها من ربقة التخلف و
رفعها من وهدة الإنحطاط ، و ما إن استقرت
واستقامت لها الأمور حتى كشفت عن وجهها المتجهم وأخرجت مخالبها ، وأبانت أنها
منحازة لمصالحها ملتصقة بعرقيتها غارقة الى الأذقان في الأنانية والتمركز حول
الذات واعتبار غيرها من البشر أوالآدميين ما خلقوا إلا لخدمتها ، واعتبار ثقافاتهم
، و دياناتهم ، و ماكان لهم من مكاسب وانتاجات حتى و لو كانت نتاج تألق ثقافي ، و
ازدهار حضاري و مجد انساني ، لم يكن ممكن أبداً أن تقوم الحضارة الحالية و تستوي
على سوقها وتوفر جهدا كبيراً ، وزمناً متطاولاً ، لولاهما لبدأت هذه الحضارة و
مدنيتها من الصفر ناهيك عن الختل ، و المكر ، و الخداع ، الذي مارسه أصحاب هذه
الحضارة في انتهاك المبادئ و الإلتفاف على المثل الإنسانية العليا ، والقفز على
القيم الأخلاقية واخفاء الحقائق بشكل مخزي ،إذاً صنيعهم في الجزائر في 8 ماي 45 في
سطيف ، و قالمة ، و خراطة ، و بني عزيز وغيرها من المدن و الأرياف والمداشر ، خزي
وعار يطاردهم و يدينهم و لايستطيع كائناً من كان أن يلغيه من ذاكرة الشعب الجزائري
، أو يمحوه من تاريخه ، و هو في نفس الوقت وسام شرفٍ على جبينه ، و حلية اباء و
أنفة على عنقه ، و رداء شجاعة و بطولة و تعملق شخصية ترفض الوضاعة و الدونية ، و
التنازل عن خصائصها و ما به قوامها وما عليه خروجها من وضعيتها المقلقة ، و
ارتقاؤها ، لا حاجة لنا في ذكر ماحصل من قتل و سجن و تشريد و تدمير للمساكن و
الممتلكات و غيرهم الكثير لأنها معروفة متداولة ، ماينقص بصورة موجعة و بشكل يقلق
و يحير هو قراءة هذه الأحداث قراءة فعالة منتجة ، قراءة فنية رمزية ، و قراءة
فلسفية ، و قراءة اجتماعية ، و قراءة تاريخية ، لمضاعفة الفهم ، و تجديد الوعي ، و
تحريضه ، وتكريس أهمية العلم والمعرفة و توسيع الإدراك في مثل هذه الشؤون حتى
نتمكن من تحصيل الذات بإقتدار كبير ونولي أهمية قصوى لتثمين الثقافة متكئ الذات
وسندها ، و مبرر حضورها ، و عاملُ تطورها .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق