نو فمبر شهر الشهور/ ذكرى و معنى
عظمة الماضي و حيرة الحاضر و مطالب المستقبل
بمجرد
أن نذكر هذا الشهر حتى تثور في كياننا موجات من الأفكار تتلاطم و تتصادم ،
و تنهض خواطر و تتحرك عواطف ، حينها نغيب عن وجودنا الجسدي و نغفل عما
يدور حولنا و حتى ولو كان دبيب النمل ، أو رفرفة أجنحة النحل حيث تحضر
أحداث الثورة بكل زخمها ، و يلفنا جوها و يغمرنا جلالها و عظمتها فنحسب أن
كيانها الزمني و المكاني قد انفصل و استقل و لم تعد له صلة بكرتنا الأرضية
بل أصبح شمسا يضيؤها نهارا و قمرا ينيرها ليلا أو جاذبية تدير توازنها ، أو
جبال رواسي تثبتها و تحفظها من أن تميل أو تتصدع . هي وسام لتاريخ
الإنسانية و خلاصة الثورات و ترياق التحرر يعجب الإنسان لهذه الضفيرة أو(
الجديلة ) التي ضفرت من خيوط الدين و الثقافة و التاريخ و المعانات قبل أن
تقلع قاطرتها و تنطلق رصاصتها بزمن لانقول قصيرا أو طويلا لأن احساسنا به
في ذلك الوقت كان ذو طابع خاص ، كانت أحزاب و جماعات و شخصيات تفكر و تدبر و
تنشط و تحسب ، و تتصل ، لم يحالفها الحض في أن تحسم الأمر سرق منها الشك و
التردد و الخوف ارادتها و بدد طاقتها ، مما سمح لشباب في عمر الزهور أن
يتأهب و يقرر و يعزم ويقفز ليقع في لجة الصراع ماضيا في سبيله الى هدفه
المنشود بالرغم من شدة الصراع و حدته و تعملقه ، ألم تكن فرنسا دولة كبير
وراءها تاريخ زاخر بالأفكار و الرموز و العلم و التكنولوجيا و القوة
العسكرية ذات التقاليد العريقة و المكانة الدولية التي تجعل سياستها ذات
نفوذ و تأثير بالإضافة الى ما تستمده من الدول الأربية و أمريكا من دعم
مادي و معنوي و سياسي ، و عسكري صحيح أن من يريد أن يتصدى لها ينهزم على
مستوى الفكر و الشعور ، و المعنى و يغمره الفشل من قمة رأسه الى أخمص قدميه
قبل أن يتحرك لكن هؤلاء الشباب استثنائيون كسروا حواجز العادة و الإلف ،
بعد أن تحرروا من عوائق الفكر و النفس ، و مضوا الى قمة المجد اقتداء
بأجدادهم و ترسما لخطى أسلافهم الذين أضاؤوا العالم بنور التوحيد ، و تركوا
أسماءهم و لغتهم و علومهم في جميع أجزاء الأرض ، ليس كبيرا عليهم أن
يهزموا قوة جبارة و استعمارا غاشما و يلحقوا به الذلة و العار و يكشفوا
مخازيه و مساوئه لسكان المعمورة على كل الثورة الجزائرية ثورة نوفمبر 1954 م
هي عين يشرب منها المقربون و جائزة نفيسة يتعارك عليها المتسابقون حبنا
لها و شغفنا بها كالحلقة التي ليس لها طرف . هي مصنف للثورات و البطولات ، و
الشجاعة و الإيثار ، و نكران الذات و العطاء المجاني و الذكاء و الحيلة كل
ما هو نفيس و مجيد و مميز و متفرد و نادر . في كل ثوراتنا من ثورة بدر الى
ثورة 1954 م يشملها هذا المصنف و يحتويها لم تستنفد امكانيتها بعد . و لم
تكشف عن كل معانيها و لم تخبوا جذوتها ، و لم تخفت أصواتها هي كشعر المتنبي
كلما قرأته زاد اشتعالا و كلما عركته ازدادا عطرا هذا المصنف اذا ما
تنقلنا بين سطوره أو قلبنا صفحاته اعترتنا قشعريرة الدهشة و امتلأنا اعجابا
و استدرجنا ذلك الى الغرق في تفاصيلها و التوغل في دقائقها و ما تناهى في
الصغر و عز على الرؤية ، و تمنع عن الملامسة و السمع .
من
أين نبدأ من عروق الثورة التي تمتد في ظلمة الأرض ، أم من جذعها أم من
أغصانها و أوراقها و ثمارها التي تعانق عنان السماء ، وتحتضن قبتها ، و هل
يمكن الإستغناء عن شيء من هذه الأشياء أو ايلاء الأهمية الى شيء من هذه
الأشياء دون الآخر أبدا كلها مهمة و كلها سمية ، أدناها كأعلاها و باطنها
كظاهرها و مخبرها كمظهرها تسري في كيانها عروقا واحدة تغذيها و تمدها
بالحياة ، كان الجزائريون كلهم موجودين على ساحة نوفمبر متصافين متراصين
يحدوهم أمل واحد تحرير الجزائر و افتكاكها من مخالب الإستعمار . الكبار و
الصغار المتعلمون و الأميون الفلاحون و العمال و حتى المشردين و المجانين .
الا أن شيئا يثير استغرابنا و يملأ عقلنا بعلامات الإستفهام بل يغضبنا و
يألمنا أن يقال و القول لمؤرخين مرموقين مثل المحفوظ قداش أن المرابطين
كانوا أدوات في يد الإستعمار أو مرتكز يرتكز عليهم في تأبيد احتلاله . من
هم المرابطون ؟! هل هم ورم يجب استئصالهم من ذاكرة الجزائريين . أليس
المرابطون هم الذين حافظوا على عروبة الجزائر و اسلامها ألم يكونوا سدا
منيعا في وجه التبشير ، و الإستشراق ، و التدجين ، و الإختراق الثقافي .
الطريقة الرحمانية و زواياها دليل على ذلك بوعمامة ، و الأمير عبد القادر و
لالة فاطمة أمسومر ، أليس هاؤلاء مرابطين ؟! تصور لو أن الجزائر خلت من
هاؤلاء ................... و
انتظرت مجيئ جمعية العلماء لكان الأمر قد قضي و تمحضت الجزائر لفرنسا و
استسلمت لثقافتها . نعم توجد بعض الطرق الصوفية و بعض الزوايا ساندت
الإستعمار ، أو سايرته ، أو أدارت ظهرها لمقاومته ، لكن هذه الطرق و
زواياها و شيوخها لايزال لها نفوذ في زمن الإستقلال ، و تحظى بالإحترام و
التقدير ومن يمسها تحرقه النار يا أستاذنا محفوظ قداش إنك لا تجرأ أن تقدم
لها لوما فضلا عن أن تنتقدها و تنسبها الى العمالة أليس مؤسيا أن تلتمس
الأعذار و المبررات للحزب الشيوعي بالرغم من زلاته.
إن
ما يبعثكم على إلصاق النقائص و المعائب بالمرابطين هو أنكم تصرون على
التمسك باللغة الفرنسية و تعتبرونها غنيمة حرب و ترفعون من شأن كل من يكون
قريبا منكم متبني لرؤيتكم _ نستطيع أن نتكلم على جمعيات و على علماء و لكنا
لا نقول الا حقا _ و سيكون قولا صادما و مفزعا حاجز الحياء لا يدعنا نفعل ذلك .
شيوخ
الطريقة الرحمانية و طلبتها كان لهم حظ ، وافر وسهم مجزي ، في فعل الثورة
المظفرة ، لبوا النداء في حينه ، بحسبانه تأدية فريضة ،مضاعفة طاعة لله و
تحرير للوطن هذا دأبهم ، و شغلهم الذي ألزموا به أنفسهم ، منذ نشؤوا
ولتدريس العلم و تعليم الشرع و اشاعته بين المسلمين ظهروا ، وهو رباط لا
يقل شأنا ، لا ينقص قدرا عن رباط الجهاد فهو الممهد و المهيئ له ، و للتوسل
به مبرر و مشرعن و لقد قال عنهم المؤرخ المشهور أبو القاسم سعد الله :
يبقون منزوين في زواياهم منعكفين على تدريس العلم و أخذه و توسيع دائرته ،
مكرسين جهودهم للعبادة و خدمة الخلق لايبغون عنها حولا ، و ما إن يظهر داعي
الجهاد حتى يسارعوا الى الإستجابة ، و يسدوا الحاجة ، طائعين راضين . و ما
إن تضع الحر أوزارها حتى يؤوبوا الى أماكنهم و يستأنفون دورهم غير عابئين
بنتائج الحرب و ما يترتب عنها من سلط ، أو عطايا و منح .
بقلم : محمد الفاضل حمادوش
01 / نوفمبر / 2012 م

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق