في ظلال المعنى
المعنى كرم من لا يخشى الفقر، ولا يناله الفقد ، وهو غيث كغيث السّماء ، وخصب
كخصب الأرض ، وهو اكتشاف وانكشاف ، يسّره ذكاء العقل وحدسه ، وغدا منجزا علميا ،
ومكسبا مدنيا ، وحضاريا ، يرصّع محيط الإنسان ويوشّيه ، إضافة إلى فائدته ،
ومنفعته في تدبير المعايش ، وتحلية الحياة ، وتجميلها ، بعد تشذيب شوكها ، وتهذيب
وسائلها وترطيب خشونتها ، ونفسا روحيا انخلع من أرض الجسد ، وشهواته ، وانتزع من محيط الصراع المحموم على الحيازة والملك ،
والتنّافس الشّرس ، على الأرزاق ، والأقوات ، وإلقاء اليد على أكبر قدر تمكّنه منه
قوّته، وتسعفه فيه حيلته، حتّى ولوتسبّب في ضياع حقوق كثرة من الخلق، وكثيرمن
الظّلم والحيف، والمزاحمة المنكرة لإقتناص الألقاب، وسرقة الشهرة الزائفة،
والإستيلاء على الوجاهة المدغولة.
انه فضاء يعج بالغبار، والدخان ومناخاة عفنة، فسد ماؤها ، وتسمم هوائها
لاتلائم الحياة المعنوية، ولا تبعث وتدفع الى نموها، وإزدهارها، بل لاتدعم وتسند
حتى طلب الكفاف في التمتع بها، والقناعة بالنزر اليسير.
والإنتظار ريثما يمّحي الغسق، ويطلع بشير الفلق، ويطوى النفث في العقد، أنوار
المهدي ترد، وبإحتياجات أشواقنا تفد، وصل الدفق وتقهقر الملق، وإنكسر الأرق،
وهوانا مع هداه إتسق، فملأنا الأفق وغمرنا الألق، الحال رق، والذوق دق، وإحتمال
الجسم شق، والتفاعل معه والإستجابة لحاجاته عق، إنها فويوضات الغيب التي لاتقاوم،
وإمداده المتدفق بغزارة، تدهش وتعجز، وقراه الذي يسد العوز المزمن إلى نفحات
نازلة، وهبات هابطة، إلى تعاليم الرشاد ومعالم السداد، وركونا إلى خلع ربقة الإلف
والإعتياد، ومسك زمام الإتباع والإقتياد، ونبذ المزاحمين الأنداد، والمشنعين على
المراد، المدبرون عن المؤنة والعتاد: وقائع، وآيات، وأحاديث، عرفها المسلمون،
أفراد،وسواد،ولم يعثروا لها عن إفناد،يعتد به
في ميزان الحجة والبرهان، وكذا ما إستنجدوا بموازنة إلا طاشة كفتهم، وتهافت
دليلهم، عشيت أبصارهم عن الوصية، وبصائرهم عن البقية، حشاشة الخاتمية، وعقب
الأحمدية، فيهم إنتهكت حرمة ومست سمعة، بصفاقة خرقوا عرف الإنسية، في إحترام مقام
المنية، وخرموا ابروتوكول التنفيس والتسرية، لتهوين البلية، وإمتصاص صدمة الدهية،
على أهله عليهم أفضل الصلاة والسلام، وعلى جميع المسلمين وهو عادة، المعمول به عند
جميع بني البشر، تورطوا حيث إنزلقوا الى إطراح رعاية الأدب، في حضرته وفي مناسبة
وفاته، وضجوا وتبرموا من قوله : إيتوني بقرطاس ودواة أكتب لكم كتابا، لا تضلوا
بعده أبدا، فأحدثوا جلبة وتشويشا، أبان عن قلق في إيمانهم، وعدم إستقرار وإستواء
في إسلامهم فقال لهم الرسول الأكرم: "صلى الله عليه وآله وسلم" إنفضوا
عني، ما ينبغي الجدل والخصام عندي – وهومن العهود والمواثيق التي طلب منهم
الإلتزام بها على وجه الفرض والتأكيد – فانصرفوا ملتحقين بعصبيتهم، هرعين إلى عش
نوازعهم، منشدين الإستقواء الشيفوني بها، بإختطاف السلطة وهي أس حب الحياة،
والإخلاد إلى الأرض، وما درى هؤلاء المساكين، أن الإمامة والولاية، قائمة بإقامة
الله لها، أن سلطتها مستمرة، وأن نفوذها أقلّه الله على الأرض، وأحلّه في القلوب
سكنا له، لا يمكن لكائن من كان، أن يختزله، أو يقلصه، أو ينسفه، كما لا يمكن أن
يطفئ الشمس، ويمسح الكواكب، وينشف البحار والمحيطات، ويفتت الأرض.
يتحصل لدينا أن المدد الّذي يصل النواميس والقوانين، التي تحكم المكوّنات،
لتحافظ على ما هيتها، وقوامها، وتبث فيها النشاط، والحركة لتأدية وظائفها في انتظام واتّساق.
يرتب آثارها المرجوّة ويحقق غاياتها المؤملة، هو نفس المدد الّذي يغذّي الروح،
ويشحن القلب، ويكمّل العقل بدرر المواهب الربّانية، وجواهر المعاني العليّة،
ولولاها لصارت الحياة خرابا يبابا، ولتوارى الخيال الخلاّق، والأمل الخلاّب،
والطّموح الوثّاب، وساد الكون فراغ رهيب، وجساوة كجساوة الحديد، ورتابة وروتين هو
نسخة البيروقراطية، والشّبه الأتم بجوّ المصنع ووظائف عمّاله، عبئ وثقل يدحس
المشاعر، ويقتل الفكر،عوض أن يكون كونا من الرموز والعلامات، يتكلم، ويحاور،
ويستفهم، ويستفسر، ويسأل، ويتودد ويرحم، يستوحش ويأنس، تنزاح العلاماة والرموز
باستمرار إلى مدلولاة جديدة، ومعان قشيبة،إنّه تغيّر وتبدّل للدّيكور والأثاث،
لإضفاء الحسن والجمال وخلع مسحة من الرّقة والأناقة، على فضاء المكان.
إذا كان هذا اصطناعيّ، ويعكس أمزجة وأذواق أهل المكان أوالبيت أوغيرهما .
يندر أن يشاركهم الجمّ الغفيرفي هذا النّمط، أو الطّراز من الديكور، لأّن
الأمزجة والأذواق بعدد الخلق، قد يتشارك أو يتلاقى في أوجه وألوان من الذّوق قطاع
منهم وليس كلّهم في جميع الأوجه والألوان،
فإنّه في حالة الكون، طبيعيّ، وخلقيّ، وفطريّ، هذا ما يجعله أبلغ خطابا، وأوضح
بيانا، وأفهم كلاما، وأغنى ألوانا وأذكى شذى، وأسنى ضياءا روائع مجانا معطاة،
وللخلق طرّا مهداة، مرّات، ومرّات، وتكثّرها ليس عددا بل مددا : تفتقا للمعاني
وتعاقبا لها، في صور شتّى .
بطانة مخمليّة حافّة، بجدر الأرض
وحيطانها لافّة بالإنسان،حرصا به، وتكريما له، حتّى لا يحتكّ ويصطدم بصلابة وخشونة
الجدر، ولا يدوس على النّتوءات الحادّة، هلاّ أبصر، هلاّ أنصت، هلاّ وعى
إذا كانت اللّغة مؤسّسة، تموّن هذا الكائن بحاجته إلى الكلام، أو تغلّفه
وتأويه كمسكنه، لأنّها تصطنع أو تبدع له مستوى آخر من الوجود، لا يشاركه فيه غيره
من الكائنات، وليس في مقدوره أن يعزف عنه أو يستدبره، لأنّ ذلك يعني انسلاخه من
إنسانيّته، وخروجه من آدميّته، وضياع أهليّته، لتلقّي الرّسالات، واستقبال
الأنبياء الرّسل، والفهم والإستيعاب عن أوصيائهم، والعيّ عن إنتاج روائع النثر،
وعرائس الشعر، أمّا الحكمة والفلسفة فدونها خرق القتاد، والحال هذه، فما بالك إذا
كانت رموزالطّبيعة وعلاماتها
تتراسل مع كلمات اللّغة وألفاظها، فإنّ المسألة تزداد تعقيدا بنفس القدر تزداد
أهميّة، واتّساعا وتعملقا هو حياكة أو نسيج، لحمته وسداه معان اختصّنا بها الأئمّة
في أدعيتهم ومناجاتهم امتزج فيها طائف الغيب بآهات وحسرات الأرض، وتنزّلات السّماء
بعراك أهل الأرض وتطاحنهم .
بقلم : السيد محمد الفاضل حمادوش
السبت 21 سبتمبر
2013 ميلادي
الموافق لـ 14 ذو القعدة 1434 هجري

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق